العيني

258

عمدة القاري

ذكر لطائف إسناده : وفيه : التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع وهي قوله : حدثني أبي ، ويروى بصيغة الجمع أيضا . وفيه : العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه : القول في موضعين . وفيه : أن شيخه بغدادي وأبوه كوفي وابن جريج ومجاهد مكيان وموسى ونافع مدنيان . وفيه : أن أحد الرواة منسوب إلى جده . ذكر من أخرجه غيره : أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة والنسائي عن عبد الأعلى بن واصل ، كلاهما عن يحيى بن آدم عن سفيان عن موسى بن عقبة ، فذكر صلاة الخوف نحو سياق الزهري عن سالم ، وقال في آخره : قال ابن عمر ، فإذا كان الخوف أكثر من ذلك فليصل راكبا أو قائما يومىء إيماءً ، ورواه ابن المنذر من طريق داود بن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة موقوفا ، كله ، لكن قال في آخره : وأخبرنا نافع أن عبد الله بن عمر كان يخبر بهذا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فاقتضى ذلك رفعه كله ، ورواه مالك في ( الموطأ ) عن نافع كذلك ، لكن قال في آخره : قال نافع : لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلاّ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وزاد في آخره : مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها . ذكر معناه : قوله : ( عن نافع عن ابن عمر نحوا من قول مجاهد ) أي : روى نافع عن ابن عمر مثل قول مجاهد ، وقول مجاهد هو قوله : إذا اختلطوا ، بيّن ذلك الإسماعيلي من رواية حجاج بن محمد عن ابن محمد عن ابن جريج عن عبد الله بن كثير عن مجاهد : إذا اختلطوا فإنما الإشارة بالرأس هو الذكر ، وإشارة الرأس ، وكل واحد من قول ابن عمر وقول مجاهد موقوف ، أما رواية نافع عن ابن عمر فإنها موقوفة على ابن عمر ، وأما قول مجاهد فإنه موقوف على نفسه ، لأنه لم يروه عن ابن عمر ، ولا عن غيره ، وقال ابن بطال : أما صلاة الخوف رجالاً وركبانا فلا تكون إلاّ إذا اشتد الخوف واختلطوا في القتال ، وهذه الصلاة تسمى : بصلاة المسايفة ، وممن قال بذلك ابن عمر ، وإن كان خوفا شديدا صلوا قياما على أقدامهم أو ركبانا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها ، وهو قول مجاهد : روى ابن جريج عن مجاهد قال : إذا اختلطوا فإنما هو الذكر والإشارة بالرأس ، فمذهب مجاهد أنه يجزيه الإيماء عند شدة القتال كمذهب ابن عمر ، وقول البخاري : وزاد ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( وإن كانوا أكثر من ذلك فليصلوا قياما وركبانا ) أراد به أن ابن عمر رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس من رأيه ، وإنما هو مسند ، وهذا هو التحقيق في هذا المقام ، وليس أحد من الشراح غير ابن بطال أعطى لهذا الحديث حقه . قوله : ( إذا اختلطوا قياما ) أي : قائمين ، وانتصابه على الحال ، وذو الحال محذوف تقديره : يصلون قياما ، والمراد من الاختلاط : اختلاط المسلمين بالعدو . قوله : ( وإن كانوا أكثر من ذلك ) أي : وإن كان العدو أكثر عند اشتداد الخوف . وقوله : ( من ذلك ) أي : من الخوف الذي لا يمكن معه القيام في موضع ولا إقامة صف فليصلوا حينئذ قياما وركبانا . وانتصابهما على الحال ، ومعنى : ركبانا أي : على رواحلهم ، لأن فرض النزول سقط . وقال الطخاوي : ذهب قوم إلى أن الراكب لا يصلي الفريضة على دابته وإن كان في حال لا يمكنه فيها النزول ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل يوم الخندق راكبا . والحديث أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما ، وهو ما روي عن حذيفة قال : ( سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول يوم الخندق : شغلونا عن صلاة العصر ، قال : ولم يصلها يومئذ حتى غربت الشمس ، ملأ الله قبورهم نارا وقلوبهم نارا وبيوتهم نارا ) . هذا لفظ الطحاوي . قلت : وأراد الطحاوي بالقوم : ابن أبي ليلى والحكم بن عتيبة والحسن بن حي ، وقال : وخالفهم في ذلك آخرون ، وأراد بهم : الثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدا وزفر ومالكا وأحمد ، فإنهم قالوا : إن كان الراكب في الحرب يقاتل لا يصلي وإن كان راكبا لا يقاتل ولا يمكنه النزول يصلي ، وعند الشافعي : يجوز له أن يقاتل وهو يصلي من غير تتابع الضربات والطعنات ، ثم قال الطحاوي : وقد يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل يومئذ لأنه لم يكن أمر حينئذ أن يصلي راكبا ، دل على ذلك حديث أبي سعيد الخدري أنه قال : حبسنا يوم الخندق حتى كان بعد المغرب بهوي من الليل حتى كفينا ، وذلك قول الله عز وجل : * ( وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ) * ( الأحزاب : 25 ) . قال : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأقام الظهر فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها ، ثم أمره فأقام العصر فصلاها كذلك ، ثم أمره فأقام المغرب فصلاها كذلك ، وذلك قبل أن ينزل الله عز وجل في صلاة الخوف : * ( فرجالاً أو ركبانا ) * ( البقرة : 239 ) . فأخبر أبو سعيد أن تركهم للصلاة يومئذ ركبانا إنما كان قبل أن يباح لهم ذلك ، ثم أبيح لهم بهذه الآية .